ابن فرحون

19

تاريخ المدينة المنورة ( نصيحة المشاور وتسلية المجاور ) ( ط القاهرة )

قرّائهم ويجتمع عليهم من الناس خلق كثير ، ويتخللون تلك الأدعية بسجدات لهم مؤقتة ، ولم يزالوا كذلك إلى أن اجتمعت الكلمة ، وظهر الحق ؛ فمنعوا من ذلك إلا في بيوتهم ومجالسهم ، فانحسمت المادة ، وزالت تلك العادة . ولقد أدركت جماعة من المجاورين والخدام لا يقرءون كتبهم ، ولا يسمعون حديث نبيهم إلا خفية ، حتى قدم الصاحب ابن حنا - رحمه اللّه تعالى - ، وأقام بالمدينة فكثّر من قراءة المواعيد ، وقام على آل سنان والقياشين ، فهابوا مكانه من السلطان ، وأذعنوا واستعملوا التقية حتى رجعوا فيما زعموا كلهم سنّة . [ كلام المولف على صلاة الرغائب وإنكاره لها ] وكان يأتيه من الينبع قوافل بالدقيق والقمح والأرز ، وأنواع الحبوب ، فيعطي منه الخدام والمجاورين ، ويمد رؤساء الإماميين وكبار الشرفاء المقيمين ، حتى أشهدوا على أنفسهم أنهم سنّة ، ولا يحكمون بأحكام البدعة ، وكان الحكام منهم والفقهاء منهم ، ولم يزالوا كذلك حتى سافر الصاحب عنهم ؛ فرجعوا إلى حالهم ، ولكن بعد هضم جانبهم وكسر شوكتهم ، فاستمرت المواعيد والقراءات والاستماعات والسماعات ، وذهب ببركة إقامته كثير من البدع المؤسسة في المسجد الشريف ، منها : صلاة الرغائب التي روي أنها تصلى ليلة أول جمعة من شهر رجب . أدركت القاضي سراج الدين الآتي ذكره يصليها في جماعة في الروضة المشرفة ، بلا تكبير ، ولا معارض ، وسنده في ذلك ما رواه فيها وأخذ به كثير من الصوفية ، وقد نصّ العلماء على أنها من البدع وإن كانت من فضائل الأعمال المسندة لحديث ضعيف ، لكنه عارض العمل به بقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام ، ولا يومه بصيام » ورحمه اللّه وجزاه خيرا .